دور نظام الإبتكار الوطني في نهوض الدول

دور نظام الإبتكار الوطني في نهوض الدول
April 4, 2019 ainblog
In Uncategorized

دور النظام الابتكاري في نهضة الدول

 

 

 

 

 

 

 

 

كتب بواسطة: د. حسام عرمان

لطالما ارتبط مصطلح الابتكار بالتكنولوجيا المرتبطة بالمنتج والعملية الإنتاجية. لكنّ الأدبيات الحديثة، ومن ضمنها “دليل أوسلو” المعروف، وضَحت بأنّ هنالك ابتكار غير تكنولوجي أيضاً ويشمل التسويق والإدارة المؤسسية.

لقد ازداد اهتمام الدول بالابتكار بشكل عام، كأهم روافع النمو الاقتصادي وتنمية المجتمع. ولقد توصُّل جموع الاقتصاديين إلى أن النسبة الأكبر من أصل النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة لا يُعزى إلى أي من مدخلات الاقتصاد الرئيسة والمتمثلة في رأس المال والعمالة، بل من خلال مساهمة الابتكار، والجدير بالذكر أن جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2018 منحت للبروفيسور “بول رومر” على أبحاثه المهمة التي وضح فيها دور الابتكار التكنولوجي كعامل أصيل ومساهم كبير في النمو الاقتصادي.

لكن الإبتكار لا يحدث في فراغ ، فلابُدّ من تظافر الجهود المختلفة من المؤسسات ذات العلاقة على المستوى الوطني، وهذا ما يُعرف علمياً بمفهوم “نظام الابتكار الوطني”. يَنُص المفهوم السابق على كيفية عمل مؤسسات القطاعين: العام والخاص بطريقة ديناميكية وضمن إطار تنظيمي، لخلق واستيعاب وانتشار التكنولوجيا والابتكار في المجتمع. الشكل التالي يوضح العناصر الأساسية لمفهوم الابتكار الوطني، والتي تشمل مؤسسات علمية وتكنولوجية وشركات صناعية مختلفة. إضافةً لذلك، الجهات التنظيمية والعوامل المساندة التي يُمكن من خلالها رسم نظام الابتكار الوطني بشكلٍ محترف في أي دولة، بما في ذلك التفاعلات بين هذه العناصر المهمة.

 

نظام الابتكار الوطني ((kuhlmann and Arnold,2001

تختلف الدول في كيفية حدوث الابتكار وإدارته وبالتالي تنظيمه، ليخدم أهدافها التنموية. تكون عادةً، مسؤولية القطاع العام توفير البنية التحتية للابتكارات، بشقّيها المادي والتنظيمي اللازم لها، بالإضافة لتأمين الاتصال بين الأطراف المتعاونة. أما القطاع الخاص، فيُشارك في جلب منطق الأعمال للمعادلة.

لعلّ أفضل النماذج الواقعية الحديثة والتي حققت قفزات اقتصادية مُذهلة ونمو سريع ومستدام، كانت دول “نمور آسيا” وأهمها كوريا الجنوبية، تايوان وسنغافورة. حيث اعتمدت كلها على استراتيجية الابتكار كرافعة للنمو واستهلت نشاطها فيه من خلال العمليات الإنتاجية مثل توطين التكنولوجيا وتحسينها وتطويرها، ومن ثُم الانتقال بشكل تدريجي من مراحل توظيف التكنولوجيا التقليدية إلى شراء تراخيص التكنولوجيا الحديثة، وانتهاءً بتطوير التكنولوجيا بشكل مستقل أو بالشراكة مع المطورين في الدول المتقدمة ، كما فعلت كوريا الجنوبية من خلال اتفاقيات الاستثمار المباش. على الرغم من أن العديد من الدول الآسيوية كالتي ذكرناها سابقاً تشاركت في قصص نجاحها من خلال تحقيق نمو اقتصادي مستدام لفترة طويلة، إلا أن هذه الدول انتهجت استراتيجيات مختلفة تتناسب مع محيطها وطبيعتها ووضعها الجيوسياسي، بالإضافة لقدراتها وثقافتها. كوريا مثلاً، اعتمدت على سياسة وطنية مركزية مدعومة من الحكومة بشكل كبير، بالتالي قامت بإنشاء ودعم شركات ضخمة ومساعدتها للوقوف على أقدامها وخصوصاً في موضوع سياسات البحث والتطوير. أما تايوان، فتبنت الحكومة نموذج أقل مركزيةً من نظيرتها الكورية، حيث كان هناك تحرر أكبر للقطاع الخاص والذي اعتمد على الإبداع والابتكار وخاصّةً من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة. بالمقابل، ركزت الدولة على تهيئة وتوفير البنية التحتية وبيئة الأعمال. بينما استغلت سنغافورة موقعها الاستراتيجي وطورت سياسات اقتصادية وصناعية ديناميكية ناجحة، حيث قامت في البداية بجذب الشركات الصناعية العالمية، ثم انتقلت بسرعة للاستثمار في القطاعات ذات القيمة العالية والغزيرة بالمعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، معتمدةً في ذلك على رأس مالها البشري المميز بسبب جودة التعليم فيها.

إننا كدُول عربية نحتاج لدراسة هذه النماذج التي ذكرناها سابقاً ، حيث أن مساهمة الابتكار في النمو الاقتصادي في معظم الدول العربية بسيط جداً، وهذا بسبب محدودية القدرة على التطوير التكنولوجي والابتكار. أيضاً، لقلة الإنفاق على البحث والتطوير وضعف ثقافة الابتكار بشكل عام. صحيح أن بعض البُلدان العربية بدأت بإنشاء مؤسسات داعمة للابتكار، إلا أنها مازالت محدودة الصلاحيات والإمكانيات.

مع كل ما سبق، نؤمن بأن الفُرص ما زالت مواتية. حيثُ يحمل لنا القرن الحادي والعشرين فرصاً كبيرة وهائلة بسبب العولمة والثورة الرقمية، وهذا سيكُون للذي يُحسن استغلالها. ليتم هذا، يجب الإيمان العميق بأن العلم والتكنولوجيا والابتكار هو أساس نهضة الدول. بالتالي، يجب صياغة سياسة الابتكار برؤية منهجية علمية تصاحبها توفر الآليات اللازمة لتنفيذها مع التنسيق بين كافة الجهات المعنية ضمن نظام الابتكار الوطني السابق الذكر.

 

عن الكاتب

يعمل الدكتور حسام عرمان حالياً كأخصائي أبحاث مشارك في معهد الكويت للأبحاث العلمية في مجال تحسين التنافسية ومنظومة الابتكار الوطني بالإضافة الى المجالات ذات صلة بتشجيع الصناعات والشركات على الابتكار. عمل قبلها كزميل بحث في جامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة لتطوير استراتيجيات البحث والتطوير لشركات صناعية كبيرة مثل رولز روويز ، وأكاديمي في جامعات بريطانية وفلسطينية. وهو حاصل على دكتوراه في  إدارة التكنولوجيا والإبتكار وماجستير في إدارة العمليات من جامعة نوتنغهام. يكتب في مواقع عربية إلكترونية وله مدونة خاصة تعنى بموضوع الإبتكار والأعمال (www.innoveng.net) بالإضافة الى مدونته العامة التي يكتب فيها خواطر شبابية ذات طابع نهضوي (www.husam-arman.com).

المراجع

  • Abu-Qarn AS and Abu-Bader S (2007) Sources of growth revisited: evidence from selected MENA countries. World Development35(5): 752-771.
  • Chung S (2011) Innovation, competitiveness, and growth: Korean experiences. In: Anonymous Lessons from East Asia and the Global Financial Crisis : Annual World Bank Conference on Development Economics – Global. , 333.
  • Freeman C (1987) Technology Policy and Economic Performance: Lessons from Japan. : Pinter Publishers London.
  • Kuhlmann S and Arnold E (2001) RCN in the Norwegian Research and Innovation System. : Fraunhofer ISI.
  • Lee J, Bae Z and Choi D (1988) Technology development processes: a model for a developing country with a global perspective. R&D Management18(3): 235-250.
  • Mortensen PS and Bloch CW (2005) Oslo Manual-Guidelines for Collecting and Interpreting Innovation Data: Proposed Guidelines for Collecting and Interpreting Innovation Data. : Organisation for Economic Cooperation and Development, OECD.
  • Nelson RR (1987) Institutions Supporting Technical Change in the United States.
  • Rosenberg N (2004) Innovation and Economic Growth. Paris: OECD.
  • Wang J (2007) From technological catch-up to innovation-based economic growth: South Korea and Taiwan compared. The Journal of Development Studies43(6): 1084-1104.
  • Ying TY, Eng A and Robinson E (2007) Perspectives on Growth: A Political-Economy Framework—Lessons from the Singapore Experience. : The Monetary Authority of Singapore.

Comments (0)

Leave a reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*